منار الهدى
مجلة شهرية

الدكتور سعد الدين العثماني في حوار مع “منار الهدى”

أجرى الحوار: محمد قطاية

س: هل يمكن الحديث عن ثنائية الدين والسياسة في الفكر الإسلامي؟

ج: لا يمكن أن نتحدث عن هذه القضية إلا بعد التأكيد على أهمية وضع الألفاظ والمصطلحات في سياقها الحضاري وفي إطار منظومة فكرية معينة فهي في المنظومة الغربية تحمل دلالات ولا تختلف ـ قليلا أو كثيرا ـ عما تحمله منها في المنظومة الإسلامية.

فإذا كان لفظ Religion ـ مثلا ـ في المنظومة الغربية يحمل معنى العقيدة والرابطة بين الرب وعبده، فإن لفظ الدين يحمل في المنظومة الإسلامية معنى مغايرا، وينسجم في ذلك مع معناه اللغوي الذي يعني الدينونة والخضوع لله وهو بذلك خضوع يطال جميع مناحي الحياة، وكل أنواع النشاط البشري.

والذين يعالجون علاقة الدين بالسياسة في الإسلام من باحثينا كثيرا ما يحاولون تطويع الموضوع لمناهج غربية، ووفق تصنيفات ومقولات غريبة عن المنظومة الإسلامية ومجافية لروحها ومقاصدها. ومعلوم أن تطويع مفاهيم في منظومة فكرية مغايرة لها يؤدي إلى خبط وخلط، ويصوغ نتائج غير علمية وغير موضوعية.

من هذا المنطلق أقول أنه من غير السليم الحديث في الفكر الإسلامي عن ثنائية الديني والسياسي هكذا بإطلاق، بل المعروف الحديث عن ثنائية الثابت والمتغير في الأحكام الشرعية وكلاهما دين، يعبد الإنسان الله به.

فالصلاة دين وعبادة، والزكاة دين وعبادة، والتجارة دين وعبادة، وتولي المسؤولية السياسية دين وعبادة، … والمسلم يُسأل عنها أمام الله ويحاسب عليها، لكننا نعبد الله بأمور هي أحكام ثابتة بنصوص لا تقبل اجتهادا ولا تغييرا، ونعبده بتصرفات اجتهادية، ترك لنا أمر ابتكارها في حدود مبادئ الشريعة ومقاصدها وأحكامها الثابتة.

ولذلك فإن الأنبياء في القرآن الكريم كانت دعواتهم تشمل ما هو عقدي، وما هو مرتبط بالشعائر التعبدية، وما هو مرتبط بواقع الناس وأنظمتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وركزوا في ذلك على أكثر الآفات والانحرافات استشراء في واقعهم، فموسى ركز ـ بعد عقيدة التوحيد ـ على محاربة الظلم. ولقد استنكر قوم شعيب أن يأمرهم بالصلاة وينهاهم عن خيانة المكيال والميزان لأن الصلاة عندهم لا يكون لها تأثير بالأموال (قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو نفعل في أموالنا ما نشاء، إنك لأنت الحليم الرشيد)(هود/87). أما النبي لوط فقد واجه نوعا من أنواع الفساد في العلاقات الجنسية، والمعروف اليوم بالممارسات الجنسية المثلية.

أما النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد أتى في دعوته بمنهج إصلاح كامل، ارتبط بجميع مناشط الحياة البشرية، فمارس “الإرشاد الديني” بالقدر ذاته الذي مارس فيه العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. لقد كان صلى الله عليه وسلم نبيا رسولا، وكان أيضا رجل دولة.

باختصار فإنه إذا كان الدين في المنظومة الغربية لا يتضمن إلا المطلق، فإنه في الإسلام يتضمن المطلق والنسبي. فكلاهما دين. فما في السياسة من أصول وثوابت، فهو أدخل في المطلق، بينما يدخل ما فيها من متغيرات في الديني النسبي وفي هذه النسبية يمكن الاستفادة من عطاءات الفكر البشري وإنتاجاته دون أي حرج.

تنزيل العدد الأول من مجلة منار الهدى

س: من المعروف أن المفاهيم والقيم الدينية عموما تتسم بثباتها وتعبيرها عن الحق المطلق، في حين أن المفاهيم المرتبطة بالاجتماع السياسي بالنسبية والتغير. كيف تسعى الحركة الإسلامية لحل هاته الإشكالية؟

ج: الدين يتضمن كما قلنا ما هو مطلق وثابت، كما يتضمن ما هو نسبي ومتغير. وله مناهج متكاملة في تنظيم العلاقة بينهما، وفي كيفية صياغة العناصر والأحكام المتغيرة مع الحفاظ على ما هو مطلق وثابت، ويتضمن علم أصول الفقه تفصيلا لهذا الأمر.

س: الذين يرفضون الحكم الإسلامي ينطلقون من تخوفهم من إعادة التجربة التاريخية للمسلمين مع السلطة السياسية التي كانت تستمد مشروعيتها من خارج الأمة (إلغاء الشورى) وتستمد قداسة لممثليها من قداسة الدين نفسه. هل هذا التخوف مشروع؟

ج: غير صحيح أن التجارب التاريخية للأمة لا تتضمن إلا نموذج السلطة السياسية التي تستمد مشروعيتها من خارج الأمة ومن قداسة الدين، بل الأصل في السلطة السياسية في الإسلام وفي التاريخ الإسلامي أنها لا تستند إلى أي قداسة دينية. فهذا شيء وجد في الكنيسة وفي الدولة الثيوقراطية في الغرب ولا وجود له في الإسلام.

الحاكم في الإسلام بشر من البشر، يصيب ويخطئ، وهو ملزم باتباع الشريعة والخضوع لأحكامها كي تكون له المشروعية، والجانب التشريعي العام كان دوما من اختصاص الفقهاء، وكان الحاكم يرجع إليهم في ذلك، وعلى هذه الأسس للدولة في الإسلام اتفق فقهاء السياسة مثل الماوردي والجويني وابن خلدون وغيرهم.

لم يقل قط أحد منهم، ولا من الحاكمين أنه يتمتع بالقداسة، وأنه يستمد تلك القداسة من الدين أو من الله. وأذكر هنا قول أبي بكر الصديق في أول خطبة له بعد أن تولى الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال: “أيها الناس، وليت عليكم ولست بخيركم، إذا أحسنت فأعينوني وإذا أسأت فقوموني…إلخ). إنه نموذج للحاكم الذي يعتبر نفسه واحدا من الحاكمين يخطئ ويصيب، ويحتاج إلى عونهم عند الإصابة وإلى تقويمهم عند الخطأ. لكن، صحيح أن الدولة في العالم الإسلامي تحولت في فترات من تاريخنا إلى دولة قهرية تسلطية بفعل عوامل التخلف والانحطاط أساسا. لكن على الرغم من ذلك يجب أن نسجل الملاحظات التالية:

  1. أن المشروعية في الأساس كانت في الغالب تستمد من الأمة بصورة من الصور. فتأسيس الدولة يتم على أنقاض دولة أخرى لم تنجح في تدبير الشؤون بتحقيق مقاصد العدل والاستقرار داخليا، أو عجزت عن الدفاع عن الثغور ضد العدو الخارجي (لم تستطع حماية بيضة الإسلام وأرضه). فيقوم من يستنفر لتدارك الأمر، وإقامة دولة تستطيع ذلك. فيجتمع حوله الناس ويعينونه. إنه هنا يستمد المشروعية من الأمة بمعنى من المعاني، ما دام قام ليدافع عن مصالحها، وهو مثل الدولة القومية أو الثورية المعاصرة في العالم العربي، والتي رغم قيام كثير منها بفعل انقلابات عسكرية، إلا أنها كانت تستجيب ـ بمعنى من المعاني ـ لتطلعات شعبية إلى التحرر وقطع دابر التبعية، أو إلى العدل الاجتماعي. لذلك حازت تعاطفا واسعا في بداية أمرها، لكنها بفعل عوامل ذاتية وموضوعية تحولت إلى دول قهر واستبداد وفشلت في تحقيق التحرر والعدالة الاجتماعية.
  2. أن قيام المشروعية على الاستجابة لحاجات ضرورية للأمة، هو ما يمكن أن يكون قياما على مشروعية دينية، لكن ليس بالمعنى الثيوقراطي، لكن بمعنى أن قيامها رهين بقدرتها على حماية الدين، وحماية أمة الإسلام، وبمعنى آخر إنها دولة مدنية، مكلفة بحماية الدين. كما أن الدولة الوطنية الحديثة، دولة مكلفة بحماية الوطن والدفاع عن مصالحه.
  3. وتحوّلُ الدول في فترات التاريخ الإسلامي إلى دول قهر وتسلط لم يحولها قط إلى دول شمولية كما هو الشأن بالنسبة للدولة القومية الحديثة، ذلك أن الحاكم في تاريخنا يملك مستويات معينة من القرار (قرار الحرب والسلم أساسا) أما تسيير المجتمع والقيام بمصالحه من تعليم وصحة وتجارة وغيرها فكان يستقل به المجتمع، ويبادر فيه ويوجهه. كما أن العلم التشريعي، بقي من اختصاص الفقهاء. يخضعونه لمبادئ الشريعة ولقواعد الاجتهاد في مختلف المذاهب الفقهية.

وقد يحاول الحاكم التدخل فيما ليس من اختصاصه، فيقع نزاع بينه وبين المجتمع أو بينه وبين العلماء. وقد يتحول النزاع إلى صدام، تماما كما يقع النزاع اليوم عند تجاوز الدولة أو الحكام لمقتضيات الدساتير أو القوانين.

وقد ينجح الحاكم في وضع يده على ما ليس من اختصاصه، لكن الجميع يعرف، وهو يعرف، أنه خرق “القانون” العام بتدخله فيما ليس من حقه.

إن بقاء العمل التشريعي العام بعيدا عن هيمنة الدولة وحكامها خصيصة من خصائص الدولة الإسلامية تتميز بها، لأن التشريع في الإسلام عمل علمي لا يقوم به إلا أهله. لذلك لا يمكن للحاكم أن يتدخل في الأموال التي تجب فيها الزكاة ـ مثلا ـ وفي مصارفها، توسيعا أو تضييقا، ولا يجوز له أن يحكم بكون بيوع معينة حلالا أو حراما، ولا بكون نوع من المعاملات داخلا في الربا أم غير داخل فيه. فهذا ليس من اختصاصه، وإذا قال فيه فلن ينصت إليه أحد، وسيعمل الناس بما يقول علماؤهم.

وهذا الأمر كان واضحا لدى العلماء والحكام على السواء.

أما العلماء فقد فصلوا فيها كثيرا، تحديدا لنقاط الفرق الفاصلة بين ما يمكن للحكام أن يصدروا فيه قرارات وأحكاما، وما لا يمكنهم، اقرأ مثلا لابن تيمية في فتاواه.

وقد ألف شهاب الدين القرافي كتابه القيم (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، وتصرفات القاضي والإمام) لتوضيح هذا انطلاقا من تقسيم تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما هو تصرف تشريعي موحى به، وتصرف زمني مرتبط بالمصالح والمتغيرات.

وأمر استقلالية العمل التشريعي عن الحكام كان معروفا وواضحا لديهم أيضا، ولذلك كلما قرروا تجاوز اختصاصهم، يعدون العدة للتدخل، ويستعدون لرد الفعل الذي كثيرا ما يكون قويا، وإلا لما ضرب مالك وغيره من علماء الإسلام لولا تصديهم للمس باستقلالية الفتوى، التي هي بمثابة العمل التشريعي العام.

  1. ولقد تم في فترات من تاريخنا تحول الحكام إلى حكام تسلط وجبر على رقاب الأمة، ونشروا الظلم، وعلقوا العمل بالشورى المأمور بها شرعا. لكن هذه الانحرافات الجميع يعرف أنها انحرافات، لذلك كانت تقاوم وتنتقد، وإذا راجعنا كتب التاريخ نجدها تقوم بتقييم الدول والحكام على حسب عدلها وتحقيقها لمصالح الأمة، وتنتقد مظاهر الظلم والجور. كانت الانحرافات إذا انحرافات، ولم يكن ينظر إليها على أنها أمور مشروعة أو عادية كما أنها لا تقارن بما كان يعيشه العالم من ظلام دامس، وخصوصا في القرون الوسطى، ومن “شمولية” قاتلة باسم الكنيسة، ومن مصادرة للإنسان بالإقطاع والاسترقاق وغيرها من وسائل القهر. والفكر السياسي البشري والمستوى الحضاري الإنساني كانت عنده مسلمات أثرت على فهم المسلمين للإسلام ونظامه السياسي. ولم تدعهم يحققوا من مقاصده أكثر مما يسمح به المحيط الثقافي والحضاري الإنساني، والقرآن وحي يأخذ من الناس على قدر استعدادهم. ولن يستنفذوا مقاصده أبدا.
  2. تجربتنا التاريخية ـ إذن ـ يجب أن ينظر إليها في إطار محيطها العالمي، وما أضافت إلى الكسب الإنساني من عطاء إيجابي، وما أعطته فترات ذهبية منها من نماذج للحكم عدلا وتنظيما واستقرارا.

أعود الآن إلى التخوف من الدولة الإسلامية المعاصرة لأقول: إن انحراف حركة من الحركات عندما تمارس الحكم أمر وارد بالنسبة لجميع التيارات والتوجهات. بل أفظع تجارب الاستبداد والظلم “الشمولية” في عالمنا المعاصر شهدناها في ظل الدولة العلمانية، سواء كانت اشتراكية أو قومية فاستندت على المشروعية الثورية لخنق الأنفاس وإلغاء المنافسين ومصادرة الحريات والاعتداء البشع على حقوق الإنسان.

وكثرت هذه التجارب، وطال أمد بعضها عقودا من الزمان، ولا يزال بعضها باقيا إلى اليوم. فهل هذا يعني التخوف من استلام أي حزب أو تيار اشتراكي أو يساري أو قومي الحكم اليوم.

أما الحركات الإسلامية، فإضافة إلى كون تيارها العام اليوم يؤمن بالحوار والجدال بالتي هي أحسن والتدافع السلمي، والاحتكام إلى الآليات الديمقراطية في تدبير الشؤون العامة، فإنها في بلداننا أكثر التيارات تعرضا للظلم والاضطهاد والمحاصرة بل والإلغاء أحيانا. ولا مبرر أن تكون مصدر خوف ما دام الجميع يريد الاحتكام إلى القانون والآليات الديمقراطية. ومعروف أن الهيآت التي تنشر الفزع، منها جهات خارجية، تريد إبقاء بلداننا في خط التبعية لها، ومراكز قوى داخلية، تريد الحفاظ على امتيازاتها اللامشروعة.

أحتاج أخيرا إلى توضيح مهم، وهو أن أبناء الحركات الإسلامية هم بشر من البشر، فيهم ما في مجتمعاتهم من علل التخلف والتفرق. وهم يشتركون في ذلك مع الحركات الأخرى. ولا علاقة لتلك العلل بالمذهبية التي ينطلقون منها.

س: هل تسعى الحركة الإسلامية لإقامة الدين أم لإقامة الدولة؟

ج: الحركات الإسلامية تسعى بدون خلاف لإقامة الدين، لكن الدين يطال جميع جوانب النشاط البشري، لذلك تتنوع واجهات مختلف الجماعات الإسلامية، كما تتنوع فيما بينها من حيث اختصاصاتها، ما بين علمي شرعي وتربوي ودعوي عام وسياسي وغيره، فتهتم كل هيأة بإقامة الدين في المجال الذي تهتم به. ويمكن أن تقوم هيآت أو أحزاب بالعمل على إقامة الدين في المجال السياسي وتدبير الشأن العام. وقد بينّا في السؤال الأول كيف أنه يجب إقامة الدين في السياسة بالالتزام بالمبادئ والمقاصد الشرعية من جهة، وبأحكام الشريعة من جهة ثانية. وهذه السياسة يسميها علماؤنا الأقدمون (السياسة الشرعية).

س: يتميز النظام السياسي المغربي بمزجه بين اللائكية الحداثية على مستوى المؤسسات والقوانين وبين الإسلام كطقوس وشعائر تعبدية. فهو يستمد مشروعيته من الحقل الديني الإسلامي والحقل الحداثي على السواء. بصفتكم ممارسا للفعل السياسي داخل هذا النسق وضمن أحد مكونات الحركة الإسلامية كيف توفقون بين هذين المنظومتين المتناقضتين؟

ج: قبل الإجابة عن السؤال لا بد من تسجيل ملاحظة، وهي أن وضع تعارض حاد بين الحداثة على مستوى المؤسسات والقوانين وبين الإسلام غير صحيح، فالحداثة في أي مستوى من المستويات تتضمن الأساس الفلسفي والنظري، وتتضمن الإنتاج العلمي والآليات. وقد دأبت الحضارات دائما على اقتباس آليات العلم والإنتاج من حضارة أخرى مع تكييفها بمنظومتها الخاصة. وهذا ما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أخذ نظام الدواوين من الفرس وكيفها حسب واقع الدولة الإسلامية آنذاك. كما أن أوربا أخذت في القرون الوسطى من العالم الإسلامي كثيرا من إنتاجه العلمي والفكري والمؤسساتي، وأخضعته لمنظومتها الفكرية العامة، وكان رافدا من روافد الحضارة المعاصرة.

ليس هناك أي عيب ولا غضاضة، كما أنه ليس هناك من مانع دون اقتباس أنظمة ومؤسسات وقوانين، والاستفادة منها بعد تكييفها مع مرجعيتنا الإسلامية وثقافتنا الخاصة. وقد أدركت المراجع العلمية المتخصصة في الغرب اليوم ضرورة وآنية تكييف معطيات الحضارة وإنجازاتها مع الثقافات المحلية أو الخاصة، وهو ما يسمى في الوثائق الدولية بأخذ الخصوصيات الاجتماعية والثقافية بعين الاعتبار.

 

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.