منار الهدى
مجلة شهرية

حوار شامل مع الدكتور محمد ضريف حول: الدين والسياسة: أية علاقة

أجرى الحوار: محمد دحان/ خالد العسري

الدكتور محمد ضريف من مواليد الدار البيضاء في 24/2/1959 حاصل على دكتوراه الدولة في العلوم السياسية، أستاذ بكلية الحقوق جامعة الحسن الثاني، المحمدية. له عديد من المؤلفات آخرها: “الأحزاب السياسية المغربية: من سياق المواجهة إلى سياق التوافق 1934-1999”.

بسم الله الرحمن الرحيم: نستضيف د. محمد ضريف في بداية انطلاقة مجلة منار الهدى، نستضيفه في المحور المركزي من عددها الأول المتمثل في: “الدين والسياسة”، بداية نتساءل عن سبب حضور واستمرار هذه الثنائية في الفكر السياسي العربي المعاصر؟

ـ بسم الله الرحمن الرحيم: أن أعتقد أن ثنائية الدين والسياسة تحضر في الفكر السياسي الإنساني بشكل عام، سواء منه الغربي أو العربي، فقط، كيفية التعاطي مع هذه الثنائية هي التي تختلف من فكر إلى فكر، انطلاقا من المحددات العامة التي تحكم كل منظومة فكرية. إن ثنائية الدين والسياسة طبعت مسار التجربة الإنسانية بشكل عام، لأنه لا يمكن للإنسان أن يعيش بعيدا عن الدين، كما لا يمكنه أن يعيش إلا في ظل منظومة سياسية، وعندما نتحدث عن هذه الثنائية علينا أن نميز بين مقاربتين:

ـ المقاربة الأفقية: التي تتمثل في علاقة الدين بالسياسة بالنسبة للتجربة السياسية الغربية، ليس على مستوى الفكر السياسي فقط، بل أيضا على مستوى الممارسة.

ـ المقاربة العمودية: التي تميز الفكر السياسي العربي الإسلامي وكذلك التجربة السياسية للأمة.

تنزيل العدد الأول من مجلة منار الهدى

إن طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة هي التي تحدد الاختلافات الموجودة بين الفكر العربي الإسلامي وتجربته السياسية وبين الفكر السياسي الغربي وتجربته، أوضح، عندما أتحدث عن مقاربة أفقية، أقول بأنها ميزت الفكر السياسي الغربي حيث كانت الإشكالية الأساسية فيه منذ القرن 16 تقريبا هي الفصل بين الدين والسياسة، وفي هذا السياق ظهر مفهوم العلمانية، إن الفكر السياسي الغربي حاول أن يحدث نوعا من الطلاق بين الدين والسياسة، لكن فقط على مستوى السلطة السياسية وليس على مستوى المجتمع، فالعلمانية طالت مستوى السلطة السياسية حيث تم الفصل بين الدين والسياسة، إلا أنه لا يمكن الحديث عن مجتمع علماني، لأن السلطة في الغرب لم تقم بمحاربة الدين، بل ظلت تعترف لكل المجموعات بحق اعتناق أي دين شاءت، فأنت ترى أنه في المجتمعات الغربية بشكل عام هناك اعتراف بجميع الديانات إلى حد ما، فالعلمانية أو الفصل بين الدين والسياسة تطرح على مستوى السلطة السياسية، لا على مستوى المجتمع. نحن في إطار التجربة العربية الإسلامية نتعاطى مع هذه الثنائية من زاوية أخرى، من مقارنة عمودية كما سبق أن قلت، بمعنى أنه لم تطرح لدينا في الفكر السياسي العربي الإسلامي، والتجربة السياسية العربية الإسلامية، فكرة الفصل بين الدين والسياسة، ولكن طرحت إشكالية أخرى هي من يُخضع من؟ أو إشكالية الاستتباع: هل تخضع السياسة للدين؟ وسنرى بأن تاريخ الدولة الإسلامية وتاريخ الفكر العربي الإسلامي كانا يسعيان للإجابة عن هذه الإشكالية، فهناك التصور الإسلامي “الأرثودكسي” والذي يرى أن السياسة الشرعية يجب أن تنضبط بالدين، وأعتقد أن فقهاء السياسة الشرعية قد حاولوا الإجابة عن هذا الإشكال من خلال تعريفهم للخلافة على أنها “نيابة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به” أي سياسة الدنيا بالدين، وقد تجسد هذا النموذج في التجربة النبوية وتجربة الخلفاء الراشدين، في حين أننا عندما سقنا في تجربة سلطة أخرى عرفت وأدرجت في إطار ما يسمى بالملك العاض أو الملك الجبري، فلم تطرح إطلاقا إشكالية الفصل بين الدين والسياسة، ولكن الإشكالية التي كانت مطروحة هي إخضاع الدين للسياسة، لذلك فعندما نطرح مسألة العلاقة بين الدين والسياسة، ينبغي كما قلت أن نستحضر الإطار الشمولي لهذه العلاقة باعتبار أنها مطروحة في الفكر السياسي سواء كان غربيا أو عربيا إسلاميا، ولكن كيفية التعاطي تختلف كما قلت بين المنظومتين باعتبار أن كل منظومة لها إشكاليتها المحددة.

س ـ إذن انطلاقا من المقاربة العمودية تقول بأنه وقع هناك فصل بين الدين والسياسة على مستوى السلطة السياسية فقط بالنسبة للمجتمع الغربي، لكن عندما نطرح علاقة الدين بالسياسة، هل يمكن أن نتحدث عن الدين بإطلاقية؟ هل الدين (Religion) في الفكر الغربي يحمل نفس الدلالات والمعاني مقارنة مع مفهوم الدين في الفكر الإسلامي؟ ألا يمكن أن تكون أول خطوة لمد جسور الحوار بين النخب الفكرية داخل الوطن العربي عامة، بتحديد المفاهيم أولا حتى لا تتم عملية إسقاط لا واعية لتاريخ مغاير على تاريخ الفكر السياسي العربي، وحتى تتضح الدلالات لتتحقق انطلاقة واعية لأي حوار؟

ج ـ صحيح أن المسألة تحتاج إلى نوع من التدقيق على مستوى المفاهيم ومستوى المصطلحات المستخدمة. عندما نتحدث عن علاقة الدين بالسياسة نتحدث بشكل عام، بما أن هذه الإشكالية طرحت سواء على مستوى الفكر الغربي أو الفكر العربي الإسلامي، سواء على مستوى التجربة السياسية الغربية أو مستوى التجربة العربية الإسلامية. نتحدث هنا عن الدين بشكل عام باعتبار أنه مجموعة من المعتقدات الشخصية والعبادات. الدين هنا يرادف الكلمة الفرنسية Religion. الدين يستمر حضوره في كل المجتمعات، فقط أنه في التجربة الغربية يقع نوع من الفصل بين الدين والسياسة على مستوى السلطة السياسية، في حين يظل الدين حاضرا في المجتمع. ففي المجتمعات الغربية لا تحارب المسيحية، لا تحارب اليهودية بل لا يحارب حتى الإسلام.

س ـ لكن عندما نتحدث عن علاقة الدين بالسياسة، ونقول بأنه فصل عن السلطة السياسية واستمر حضوره في المجتمع بالنسبة للنموذج الغربي، فيجب أن نلحظ بأن ذلك ينسجم وطرح الدين المسيحي الذي يهتم بالعقيدة فقط، لكن عندما نتحدث عن الإسلام، فأول ما يثار أنه دين عقيدة وشريعة. وهنا يجب أن يتنزل على سلطة سياسية وعلى مجتمع؟

ج ـ أنا أقول هذا مستوى ثان. المستوى الأول هو أننا نتحدث عن الدين بإطلاق سواء في التجربة الغربية أو التجربة العربية الإسلامية. نتحدث عن الدين كمجموعة من المعتقدات والعبادات التي تخص الأفراد، هكذا ينظر إلى الدين في الفكر الغربي. وعندما نطرح مسألة العلمانية أو علاقة الدين بالسياسة على مستوى السلطة يتم الفصل بينهما. ولكن على مستوى المجتمع لا يتم إقصاء الدين بل حاضرا في سلوكيات الأفراد. هذا المستوى الأول، المستوى الثاني هو المستوى الخاص، يعني عندما نتحدث عن الإسلام، فلا يمكن أن نتحدث عنه بالمفهوم الغربي باعتباره دينا فقط، فالفقهاء دائما كانوا يعتبرون الإسلام دينا ودولة، عقيدة وشريعة. لذلك أقول بأنه يقع الخطأ عندما يتم التعامل مع الإسلام باعتباره مجرد دين، لأنه يختلف عن المسيحية التي تتضمن مجموعة من المعتقدات والعبادات الشخصية ولا تتضمن “تشريعا”، لا تتضمن أحكاما تلزم السلطة.

فالمسيحية أسست على ما يسمى الخلاص الفردي، هذه هي فلسفة المسيحية، في حين أن الإسلام إضافة إلى كونه دينا، أي مجموعة من العقائد والعبادات، هو في نفس الوقت شريعة ونظام حكم. فالمؤمن أو المسلم لا يعتبر إسلامه مكتملا إلا إذا تعامل مع الإسلام باعتباره منظومة كاملة تضم إضافة إلى العقيدة الشريعة.

عندما تطرقت في البداية لعلاقة الدين بالسياسة كان ذلك من منطلق شمولي عام حيث تحدث عن الدين بغض النظر عن الإسلام أو المسيحية أو اليهودية في الفكر السياسي الغربي والفكر السياسي العربي الإسلامي، في حين عندما نتحدث من المستوى الثاني، أي مستوى الخصوصية، ونطرح مسألة الإسلام ينبغي أن نخصص وندقق في نفس الوقت باعتبار أن الإسلام يجب أن نتعاطى معه باعتباره دينا وباعتباره شريعة وباعتباره دولة لأن هناك أحكاما تنظم العلاقات بين مكونات المجتمع، وتنظم كذلك صورة السلطة السياسية.

س ـ أظن أن هذه مشكلة النخب اللائكية العربية بخصوص تعاطيها مع الإسلام انطلاقا من المقاربة الشمولية باعتبار أن الإسلام دين من الأديان. فالنخب اللائكية العربية تبنت المفهوم الغربي السائد في علم الاجتماع على أن الدين يشكل مرحلة الطفولة البشرية التي تجووزت، وتبنت النظرة الحديثة للدولة المبنية على الديمقراطية واللائكية كثنائية تنسجم في الفكر السياسي الغربي وتجربته، وتتنافر عند محاولة نقلها إلى الحقل السياسي العربي الإسلامي؟

ج ـ صحيح، فقط بالنسبة لي أريد أن أعقد مقارنة بين التجربة السياسية الغربية والتجربة السياسية العربية الإسلامية الحديثة، فعندما ميزت بين مستوى السلطة السياسية ومستوى المجتمع، قلت بأن العلمانية في الغرب تطال مستوى السلطة السياسية.

مفهوم العلمانية بمعنى فصل الدين عن السياسة. الدولة الحديثة لها قانونها الخاص يسمى بالقانون الوضعي، لها رجال السياسة أو النخبة السياسية التي جاءت لتعوض رجال الدين الذين كانوا نخبة في إطار الدولة الدينية، هذه مسألة أساسية، بدأنا نتحدث عن المجتمع المدني … مفاهيم مرتبطة بالدولة الحديثة، ولكن على مستوى المجتمع الدين حاضر في التجربة الغربية، لا نجد بأن الدولة الحديثة في الغرب حاربت الدين على مستوى المجتمع، نحن في العالم العربي الإسلامي تنعكس الآية، بمعنى أنه عندما نتحدث عن العلمانية نقصد بها إقصاء الدين وتهميشه ولكن على مستوى المجتمع، وليس على مستوى السلطة السياسية.

لا توجد دولة واحدة في العالم العربي تتبرأ من الدين، بالعكس الدساتير تنص على أن دين الدولة هو الإسلام، وبأن دين رئيس الدولة ينبغي أن يكون هو الإسلام، جميع القيادات والأحزاب السياسية تتحصن وراء المشروعية الدينية … ورغم ذلك فإن العلمانية تترجم بإقصاء الدين من المجتمع، مثلا.

ينبغي أن نحارب المتحجبات في تونس، وهي ممارسة عرفت في تركيا، بمعنى أن العلمانية أصبحت عندنا في العالم العربي الإسلامي ليست هي الفصل بين الدين والسياسة، ولكن هي محاربة ظاهرة التدين. هكذا أصبح مفهوم العلمانية، محاربة للتدين على مستوى المجتمع ليس على مستوى السلطة السياسية التي ظلت تستحضر الدين في الخطاب السياسي، والحاكم ظل يستحضر الدين …

س ـ يستخدمه لإثبات مشروعيته؟

ج ـ هذا ما أشرت إليه في البداية عندما قلت بأن المقاربة العمودية هي التي تسعفنا لفهم إشكالية الدين والسياسة في التجربة العربية الإسلامية، هذه المقاربة إما أنها تسعى إلى أن تكون السياسة في خدمة الدين، وهذا هو جوهر التجربة النبوية وتجربة الخلفاء الراشدين، أو أن يكون الدين في خدمة السياسة، وهذا هو أساس التجارب السياسية التي عرفها العالم العربي الإسلامي في إطار ما يعرف بالملك العضوض، أو الانحراف عن نموذج الخلافة الراشدة، بمعنى أنه لم يطرح أبدا في العالم العربي الإسلامي فصلا بين الدين والسياسة، لا تجد على مستوى الحكم من يتجرأ على هذه الدعوة، هناك تركيز دائم على التشبث بالدين، ولكن المشكل المطروح في العالم العربي هو تحديد طبيعة العلاقة بين هذا الدين والسياسة، الآن، يتجه الكل إلى جعل الدين في خدمة السياسة وذاك ما يسمى بالإسلام الرسمي. ما معنى “الإسلام الرسمي”، معناه أن يصبح الإسلام في خدمة الدولة أو ما يسمى بإسلام الدولة، ونجد أن الحركات الإسلامية تسعى إلى إعادة إنتاج العلاقة الأولى كما تمثلت في التجربة النبوية وتجربة الخلفاء الراشدين، وهي ما تسمى “بدولة الإسلام”، بمعنى أن تكون الدولة في خدمة الإسلام، هذه هي طبيعة ثنائية الدين والسياسة في الفكر والتجربة السياسيتين العربيتين الإسلاميتين.

إن طريقة التعاطي أو التوظيف تختلف بين الغرب والشرق، ففي إطار الغرب كانت الإشكالية واضحة وهي الفصل بين السياسة والدين ولكن على مستوى السلطة السياسية بينما ظل المجتمع متدينا، بما أن المسيحية لم تحارب. لقد أردت أن أشير منذ البداية إلى ضرورة التمييز، فعندما أتحدث عن الدين شيء وعندما أتحدث عن الإسلام شيء آخر، لأن الإسلام أشمل بما أنه دين يضم العقيدة والشريعة.

س ـ لكن، هل يمكن الحديث عن استمرارية لسلطة سياسية علمانية. إن لم تسع إلى علمنة المجتمع. لا ننسى بأن “المجتمع المدني” هو الذي يدعم السلطة السياسية سواء من خلال مؤسساته المدنية ـ حصل هذا بالنسبة للمغرب بالنسبة “لحظة إدماج المرأة في التنمية” ـ ومن خلال إنتاج الدعامة السسيولوجية المتمثلة في الأحزاب السياسية و”المثقفين” كبدائل عن الجماعات الإسلامية والعلماء…؟

ج ـ يفترض أن تكون هناك علاقة سليمة بين المجتمع وبين السلطة. السلطة السياسية لها آليات اشتغالها. وتسعى للحفاظ على وجودها من خلال تمرير قيمها. فالتصور الموجود في العالم العربي الإسلامي كما قلت فيما يسمى بالإسلام الرسمي يمكن أن أعتبره إسلاما علمانيا لأنه ينظر إلى الإسلام باعتباره دينا فقط. عندما نأخذ مثلا الفصل السادس من الدستور المغربي تجد بأن الإسلام دين الدولة Religion، والدول تضمن لكل واحد حق ممارسة شؤونه الدينية.

النص الدستوري في المغرب ينظر إلى الإسلام باعتباره مجموعة من الشعائر والعبادات، باعتباره عقيدة وليس باعتباره شريعة، لذلك قلت أنه لا يوجد في الدستور المغربي فصل يعتبر أن الإسلام مصدرا أساسيا للتشريع. لذلك فبشكل عام، الإسلام المطروح في الخطاب السياسي العربي اللائكي هو الإسلام بالفهم العلماني، بمعنى أنه مجموعة من العبادات والعقائد التي توجه وتحكم سلوك الأفراد.

س ـ ولا بد للسلطة أن تجد امتدادا لها فتحاول علمنة المجتمع.

ج ـ أكيد، لأن الخطاب الذي تتبناه السلطة يتم الترويج له على مستوى المجتمع باعتبار أن الإسلام هو مجموعة من العبادات، وبالتالي الدولة لا تغلق المساجد، بل تفتحها وتراقبها، وتسمح بالممارسات الشخصية، وذلك ما يندرج عمليا في إطار المفهوم العلماني للإسلام، طبعا، هنا ينبغي أن نشير إلى أن هناك ردود فعل مضادة، هناك جهات تحارب هذا التصور، وتتمثل أساسا في الجماعات الإسلامية، التي تحارب هذا التصور الرسمي الذي تريد أن تفرضه السلطة، ولكن السلطة للحفاظ على استقرارها تبلور خطابا غير مناهض للدين، وتعتبر أن مشروعيتها مستمدة من الدين، أحيانا حتى قوانينها تأخذها من الدين. ولكن كما قلت، المشكل المطروح على مستوى التعاطي مع الإسلام هو اعتباره مجرد دين أم هو أكثر من دين. إن النخب السياسية العلمانية تساهم في تكريس التصور الذي يعتبر الإسلام مجرد دين. لكن ما يثير الاستغراب هو أن هذه النخب التي ترفض قيام حزب إسلامي أو حزب على أساس ديني، هي التي بدأت الآن تتحدث عن فاعلية حقل إمارة المؤمنين في المغرب. بمعنى أنه ـ كما قلت ـ المسألة تطرح بشكل معكوس. لأننا لا نتحدث الآن عن العلمانية على مستوى السلطة السياسية، وهذا هو جوهر التجربة السياسية الغربية بما أن العلمانية طالت السلطة السياسية في حين أن النخبة السياسية العلمانية في البلدان العربية تريد أن تطبق العلمانية على مستوى المجتمع. فلا تغدو العلمانية فصلا بين السياسة والدين. ولكن تصبح عند إسقاطها على المجتمع من طرف هذه النخبة إقصاء لظاهرة التدين فيه.

س ـ الملاحظ أن الفكر العلماني العربي يعتبر أن الدين يتعارض مع الدولة الحديثة التي تقوم على مرتكزي: اللائكية والديمقراطية. إلا أن المعضلة العلمانية العربية أن هذين المرتكزين لا ينسجمان في الحقل السياسي العربي، لأن أحدهما يلغي الآخر، فإما ديمقراطية يصعد من خلال صناديق اقتراعها إسلاميون ينفون اللائكية، أو لائكية ترفض ديمقراطية تعترف بحق الإسلاميين في الوجود السياسي. نتساءل عن المقاربات المقترحة من طرف الفكر اللائكي لتجاوز معضلته هذه ما بين اختيار اللائكية أو الديمقراطية أو كيفية الجمع بينهما؟

ج ـ هنا بعض التوضيحات، الدولة الحديثة تقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية، فهي دولة ترتكز على مفهوم المواطنة. هذه مسألة أساسية، معنى أن جميع من يوجدون فوق رقعة جغرافية معينة في إطار نظام سياسي يعتبرون مواطنين.

العلاقة التي تربط بين المواطن والدولة هي علاقة قانونية، هذه مسألة مهمة، علاقة قانونية محددة فيما يسمى بالجنسية، بل أصبحت الدول تمنح الجنسية حتى للأجانب الذين يقيمون مدة معينة فوق أراضيها، إن الرابطة التي تجمع بين المواطن وبين الدولة في إطار الدولة الحديثة هي رابطة قانونية قائمة على الجنسية بغض النظر عن العرق والدين والمعتقدات والقناعات السياسية. هذه مسألة أساسية، فكرة المواطنة جعلتنا نتحدث عن ما يسمى بالعلاقات الترابية التي تحدد الانتماء في إطار رقعة جغرافية، وهي المقاربة التي تقوم عليها الدولة الحديثة. وبما أن الرابطة القانونية تقوم على فكرة المواطنة، فإننا نتحدث ساعتها عن العلمانية التي أسست انطلاقا من هذه المقاربة، لأنه عندما نستبعد الدين كعنصر محدد للهوية فإن على الدولة أن تحدث قانونها الذي سيحكم مواطنيها. لذلك أقول بأن الدولة الحديثة هي دولة تتمتع بقوانين، دولة سيدة، وعندما نتحدث عن السيادة، فليس فقط لأنها لا تتلقى الأوامر من الخارج، ولكن لكون الشعب يعتبر مصدر السلطة، أي هو المشرع، لذلك ارتبطت العلمانية بالديمقراطية، لأن الذين ينتخبون يشكلون البرلمان أو السلطة التشريعية، ولهم كامل الصلاحية للتشريع في الفكر السياسي الغربي، بما أنهم غير محكومين بمرجعيات أخرى. لذلك فعمليا، سيرورة الدولة الحديثة ارتبطت بهذا الانتقال من فكرة المواطنة القائمة على علاقة أو رابطة قانونية استبعدت الانتماء الديني والعرقي فحتمت العلمانية، والعلمانية أفضت إلى الديمقراطية، ولأن الأمور متداخلة بشكل كبير. لا زلت أؤكد أنه عندما أتحدث عن الديمقراطية فهي لا تطبق إلا على مستوى السلطة السياسية، لأنها تجيب عن الكيفية التي يصل بها الحاكم إلى السلطة، وعندما نتحدث عن العلمانية فإننا نعني الفصل بين الدين والسياسة، بمعنى أن السلطة السياسية غير ملزمة بمرجعية خارجة عن المجتمع، لذلك لا يتم التقيد بالدين على مستوى السلطة، ولكن هذا الأمر لا علاقة له بتطور المجتمعات الغربية، من المؤكد أن مجموعة من الحركات الإباحية والإلحادية اجتاحت المجتمع الغربي، ولكن في نفس الوقت كانت هناك حركات دينية ساهمت في تأطير المجتمع.

بالنسبة لتجربة العالم العربي الإسلامي، فقد أسس دولته الحديثة عقب الاستعمار. دولة تجد مرجعيتها في النموذج الغربي، خاصة فيما يسمى بالنموذج اليعقوبي للدولة ذي المواصفات المعروفة، لقد حكمت البلدان العربية الإسلامية بعيد الاستعمار من طرف نخب تبنت نموذج الدولة الغربية، ولكني أعتبر أن هذا النموذج ظل مبتورا، لأنه أولا مستورد ولم ينبثق من سيرورة المجتمعات العربية الإسلامية، كما أنه نموذج فرض بسبب الاستعمار، ثانيا لأنه لم يتأسس على الركائز التي أسس عليها النموذج الغربي، أعطي مثالا بسيطا على ذلك، الآن، الدولة العربية الإسلامية تقيم فكرة المواطنة على أساس رابطة قانونية، بمعنى وجود جنسية يمكن منحها حتى للأجانب، ولكن الخطاب السياسي العربي الرسمي يستخدم بكثرة مصطلح “الأمة”. في الدولة الحديثة لا نتحدث عن أمة une nation. بل نتحدث عن شعب un peuple الأمة تتحدد برابطة تاريخية، رابطة تشمل وحدة الثقافة، وحدة التكوين النفسي، وحدة التاريخ، وحدة الدين، في حين أن الحديث عن الشعب في الغرب يعني رابطة قانونية، في سويسرا مثلا، نجد أن هناك ثلاث مجموعات بشرية تكون الشعب السويسري رغم أنها  تتكلم ثلاث لغات مختلفة، الشعب البلجيكي ينقسم إلى كتلتين بشريتين تتحدثان لغتين مختلفتين، لا يمكن أن نتحدث هنا عن أمة بلجيكية أو أمة سويسرية، بل عن شعب بلجيكي وشعب سويسري تجمعه رابطة قانونية، في حين أنه في العالم العربي الإسلامي سنلاحظ أننا نتحدث عن الأمة. في الخطاب السياسي الرسمي بالمغرب يتم الحديث عن الأمة المغربية … إنه رغم حضور مظاهر من الدولة الحديثة أو النموذج الغربي، إلا أن الحضور يبقى مبتورا لأنه يلجأ دائما إلى استخدام مفاهيم ومصطلحات تخدم التصور الكلاسيكي، وفي إطار هذا التصور يتم استحضار الدين لتوظيفه في خدمة السلطة السياسية.

س ـ الأمة والشعب: مفهومان ينتميان إلى نسقين فكريين مختلفين، إذا اتخذنا نموذج السلطة السياسية في المغرب هناك بنيات مهلهلة، فهل هناك انتماء لمفهوم الأمة بمعنى النسق السياسي الإسلامي، أو انتماء لمفهوم الشعب بمعنى إعلان الانتماء لنسق الدولة الحديثة؟ هل هناك استمرارية لمغرب اليوم مع مغرب الأمس؟ نسأل حضور الدين في تجربة السلطة السياسية بالمغرب، قلت أن هناك علاقة استتباع، نتساءل عن تجليات هذا الاستتباع؟

ج ـ أنا أقول بأن ما تعيشه البلدان العربية الإسلامية، وفي مقدمتها المغرب، هو نتاج أزمة يمكن أن نسميها بأزمة هوية. هذه مسألة أساسية. لقد طرح سؤال: من نحن؟ وكانت الإجابات عنه تمثل تعبيرات إقصائية، بمعنى أنه لا يمكن أن تتحدد هويتنا، أو نخرج من هذه الأزمة التي نعيشها على المستوى الثقافي أو السياسي إلا بتبني مرجعية خالصة، فهناك من قال من “الحركات الإسلامية” بالرجوع الخالص للإسلام، كما ظهر على مستوى الحركات العلمانية التيار الماركسي الذي قال بأن الحل يتمثل في تبني الماركسية الليننية وإقامة نظام اشتراكي، كذلك ظهر ليبراليون في العالم العربي قالوا بأن الحل هو الليبرالية، فعندما تأخذ مثلا حالة “سلامة موسى” في مصر فقد ذهب إلى حد الدعوة إلى تبني الحرف اللاتيني في الكتابة العربية … لقد كانت هناك دائما أطراف تقدم إجابة إقصائية، كما كانت هناك أطراف أخرى تقدم إجابات توفيقية بين الأصالة والمعاصرة، بين التقليد والتحديث.

في هذا السياق، يمكن أن نجيب عن السؤال الذي المطروح، من خلال الإشارة إلى تبني السلطة السياسية في العالم العربي لهذا الخيار، خيار التوفيق. في آخر خطاب للملك في 20 غشت (2001) قال بأنه يمكن أن نقوم بتحديث المغرب دون التفريط في التقاليد. ويمكنك أن تلاحظ أن السلطة أو بنياتها مؤسسة على هذه الازدواجية بالمغرب وغيره من الأقطار العربية، وإن كانت المسألة تظهر بشكل أوضح في المغرب. ومسألة التوفيق هذه تعود إلى فترة الحماية، حيث سعت السلطات إلى إقامة نظام إداري عصري تمثل بالإقامة العامة، وفي نفس الوقت ظل هناك مخزن يمثله السلطان، وقد استمرت هذه الازدواجية بعد الاستقلال، فحتى على مستوى المشروعية نجد بأن الملك يتحدث عن مشروعيته الدينية والتاريخية، وفي نفس الوقت يتحدث عن المشروعية الدستورية باعتباره ملكا دستوريا، وقد تمثلت هذه الازدواجية أيضا في وجود أحزاب ونقابات ودستور وقانون وضعي وانتخابات وحديث عن الديمقراطية … من جهة أخرى نجد الخطاب الرسمي يتحدث عن جمعيات العلماء وعن الشورى والبيعة وعن الأمة …

س ـ في هذه المعادلة التوفيقية، لا بد أن تكون الغلبة لجانب ما، فهل يستتبع الحقل الديني الحقل السياسي، أم أن هناك تصورا سياسيا يأخذ من الدين ويدع، باختصار ما الذي يتحكم في المغرب، البنية الإسلامية أم البنية اللائكية؟

ج ـ أنا بشكل واضح أقول بأن السلطة في المغرب هي سلطة علمانية وليست سلطة “دينية”، بمعنى أنه إذا أردنا أن نتحدث عن سلطة إسلامية نجد تمثلها مثلا في إيران باعتبار حضور الجانب العقدي من الإسلام والجانب التشريعي. هنا يمكن أن نتحدث عن سلطة إسلامية، فبالنسبة لي، السلطة الإسلامية لا تعني استحضار الجانب العقدي فقط، لأن العلمانية لا تحارب العقيدة، لأني سبق أن أشرت أنه في المجتمعات الغربية يستمر حضور الدين. الدين مستبعد على مستوى السلطة السياسية، لكنه حاضر في المجتمع. الدليل على ذلك أن آلاف المسلمين، بل حتى الإسلاميين ـ الذين يغادرون البلدان العربية نحو أوربا وأمريكا يمارسون الجانب العقدي من إسلامهم، الآن، الإسلام هو الديانة الثانية في فرنسا…أقول بأن العلمانية لا تعني استبعاد الجانب العقدي من الإسلام، ولكن تثبيته مع استبعاد الجانب التشريعي منه. لذلك أقول بأن السلطة في المغرب سلطة علمانية والأحزاب علمانية أيضا، “حزب الاستقلال” يتحدث عن الدين … بل أقول أكثر من ذلك، وهو أمر سبق أن كتبته، وهو أن “حزب العدالة والتنمية” ليس حزبا إسلاميا، لأن العبرة بإسلامية الدولة أو إسلامية تشكيلة سياسية ليس التركيز على الجانب العقدي. استحضار هذا الجانب مسألة أساسية، ولكن الإسلام منظومة متكاملة لا يمكن أن تأخذ بعضها وتترك البعض الآخر، فالجانب التشريعي ـ جانب السياسة الشرعية ـ غائب.

ما ميز تاريخيا التجربة التاريخية للأمة الإسلامية هو تطبيق الشريعة، الجانب العقدي لم يغب مع سقوط الخلافة الراشدة، ولكن الكل تحدث عن الملك العضوض. لماذا؟ لأن الجانب الذي تمت التضحية به هو الجانب التشريعي، جانب الأخذ بأحكام الإسلام في إدارة الشأن العام، أما الجانب العقدي فظل قائما، لا يمكن الادعاء بإسلامية دولة ما لمجرد توفر المساجد، ففي تركيا سلطة علمانية رغم آلاف المساجد التي تتوزع ترابها، ورغم أن المجتمع مجتمع مسلم، لأنني كما قلت في البداية أن العلمانية لا تطرح على مستوى المجتمع، العلمانية تطرح على مستوى السلطة، المجتمع المغربي هو مجتمع مسلم، ولكن السلطة ليست سلطة إسلامية، السلطة علمانية.

س ـ السياسة هي فن الممكن، وعندما نتحدث عن مكون أو حزب إسلامي يتبنى اختيار دخول المشاركة السياسية، ويرتضي الشروط التي تضعها السلطة اللائكية في المغرب مثلا، فإنما يدخل ضمن استراتيجية تقويض هذه اللائكية من الداخل، وليس تقويتها، ألا يستحسن هذا المسار كبديل عن مسارات العنف، فبقانون الدولة ومن خلاله يمكن تقويض لائكيتها وتقوية الجانب الإسلامي التشريعي فيها؟

ج ـ الحديث عن حزب يريد أن يعمل ويستغل قوانين الدولة لتقويض علمانيتها، أنا قلت في البداية أنه لا توجد تجربة في العالم العربي الإسلامي تتبنى العلمانية بمفهومها الغربي. قلت أن طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة تختلف، ففي الغرب طرحت إشكالية فصل الدين عن السياسة على مستوى السلطة السياسية، في العالم العربي مسألة استتباع. من يخضع من؟ من سيكون في خدمة من؟ هل يكون الدين في خدمة السياسة؟ أم تكون السياسة في خدمة الدين؟ بمعنى أنه عندما نتحدث عن العلمانية في العالم العربي، لا ينبغي أن ننظر إليها باعتبارها فصلا بين الدين والسياسة، العلمانية في العالم العربي هي أن يصبح الدين في خدمة السياسة، بمعنى أنه عندما أقول أن السلطة في المغرب سلطة علمانية، لا يعني أنها تريد أن تفصل بين الدين والسياسة، لذلك شددت منذ البداية على أن العلمانية في العالم العربي ـ بما فيها المغرب ـ تعني أن يصبح الدين، أن يصبح الإسلام في خدمة الدولة وليس العكس، بمعنى أن يصبح الدين جزءا من بنية الدولة. وعندما أقول الدين هنا، يعني مجموع العبادات والمعاملات، وحتى عند الاحتجاج بأن “مدونة الأحوال الشخصية” المعمول بها مأخوذة من الشريعة الإسلامية والفقه المالكي، إلا أنها تظل جزءا من القانون الوضعي وليس من الشريعة، لأن قواعد القانون الوضعي لا تأخذ وضعها الاعتباري من مضمونها أو من مرجعيتها، بل من مسطرة وضعها، لذلك فأنا أعتبر بأن “مدونة الأحوال الشخصية” جزء من القانون الوضعي في المغرب، ولا يمكن القول بأنها لكونها مستمدة ومؤسسة على الفقه المالكي تؤشر لوجود سلطة إسلامية، لقد تم الفصل بين الدين والسياسة في التجربة الغربية، ولكن في العالم العربي اتخذت مسارا آخر. فمنذ البداية لم يوجد هناك فصل، ولم تكن هناك مطالبة بالفصل إلا في بعض الحالات الشاذة.

س ـ عدم الفصل هذا في البلدان العربية الإسلامية وضمنها المغرب، ربما هو الذي جعل الكثير من الحركات الإسلامية تخدع بالمظهر الإسلامي الذي يغطي الجانب اللائكي للأنظمة، فتسعى إلى المشاركة من داخل هذه المنظومة التي تعتبرها إسلامية، لكن التساؤل الذي يثار هو: هل أن المشاركة للحركة الإسلامية ضمن بنية دولة لائكية (مصر ـ الأردن …) يعتبر تثبيتا أم تقويضا له؟

ج ـ في نظري هو تثبيت له، لكني أود العودة للحديث عن الأسباب التي أسميتها أسباب الانخداع التي توفر غطاء دينيا هشا لنظام هو في جوهره علماني. أنا أقول بداية بأن الفكرة التي كوّنّاها عن الغرب هي فكرة خاطئة، لأنه إضافة إلى حاجتنا إلى تحديد المصطلحات والمفاهيم نحتاج إلى مسألة أساسية أخرى تتمثل في إعادة قراءة تجربة الغرب لأننا لم نقرأها بشكل جيد، إنني أعتقد أننا قرأناها من منظور إيديولوجي وليس من منظور موضوعي. فعندما تتحدث عن الدين في التجربة السياسية الغربية، فإن التصور السائد أو الفكرة التي أريد لها أن تشيع، هو أن الغرب يحارب الدين، وتم خلط الدين بالإسلام. الغرب حارب أحيانا الإسلام، لكنه لم يحارب ديانته المسيحية، لم تحارب اليهودية بدليل أن إسرائيل دولة “دينية”، بل إن هرتزل والذين أسسوا المشروع الصهيوني وظفوا اليهودية، بمعنى أن الدين أخذ بعين الاعتبار، “إسرائيل” الآن تضم علمانيين يظلون يهودا وإن لم يتقيدوا بالتعاليم والطقوس اليهودية، وهناك المتدينون المتطرفون داخل إسرائيل، الدين ظل دائما حاضرا، نحن أخذنا فكرة كما قلت خاطئة من التجربة الغربية، فإما أننا نظرنا إلى أن الغرب يحارب الدين، واستحضرنا دائما المقولة الماركسية “الدين أفيون الشعب” بدون أن نضعها في سياقها، فأصبحت العلمانية تعني لدينا محاربة الدين، وبالتالي، فإن الدولة العربية تكفيها أن توفر أماكن العبادة لإثبات تشبثها بالإسلام، ننسى بأن الدولة العربية الإسلامية في تاريخها لم تتكفل فقط ببناء المساجد، بل حافظت على البيع اليهودية والكنائس المسيحية وحمتها. إن جوهر العلمانية في الغرب قائم على الفصل بين السياسة والدين على مستوى السلطة السياسية، والدين لم يحارب على مستوى المجتمع، لماذا؟ لأن الغرب نظر إلى الدين باعتباره مجموعة من العبادات الشخصية، وفي إطار حرية التعبير والديمقراطية سمح بممارسة الاختلاف، نعم ظهرت حركات إلحادية ولكن الحركات المتدينة كانت أيضا حاضرة، وهذه مسألة أساسية. أنا أقول الآن في اللحظة التي تتدين فيها المجتمعات الغربية نجد بأن المجتمعات العربية تتعلمن، ليس السلطة السياسية، أنا أتحدث عن المجتمع، لذلك فأنا أعتقد بأننا قرأنا التجربة الغربية بمنظار خاطئ ربما أثرت التجربة التركية على كيفية تعاطينا مع واقع مجتمعاتنا، العلمانية في تركيا لم تكن تعني فصل الدين عن الدولة بقدر ما كانت تعني محاربة الإسلام كما حصل مع تجربة كمال أتاتورك، لهذا نجد أن البلدان العربية الإسلامية المحيطة بتركيا عندما تسمح بالصلاة والصوم و…، تعتبر نفسها دولة إسلامية، رغم أنه يجب النظر إلى الإسلام في شموليته. فإذا كنا نتحدث عن الإسلام في جانبه العقدي فقط، فهذه هي العلمانية.

س ـ إذن العلمانية في العالم العربي لا تعني فصلا للدين عن السياسة، بقدر ما تعني استتباع السياسة للدين، بالنسبة للحركات الإسلامية هل تصوغ هي أيضا معادلة أخرى لاستتباع السياسة للدين باتخاذها إيديولوجية أكثر منه دين دعوة وعقيدة وشريعة؟ وهل هناك من مساغ لنعت الحركة الإسلامية بالإسلام السياسي؟

ج ـ أريد أن أطرح توضيحا حول استخدام مصطلح “الإسلام السياسي”، فهناك من يعتقد أن استخدام هذا المصطلح هو تشويه لحقيقة الإسلام. أنا أقول بأنه عندما نصف أحيانا ظاهرة ما وصفا معينا، فإن ذلك الوصف لا يعني أنه يقف عند جانب من جوانبها ولكن يمكن أن يشملها بأكملها، بمعنى آخر، فأنا لا أقول بأن المصطلح من صنع غربي، وأنا شخصيا أحبذ استعماله، ليس معنى ذلك أن الإسلاميين يريدون استغلال الإسلام لأسباب سياسية، أولا هذا الفصل غير موجود عند الحركة الإسلامية. فعندما قامت الثورة الإيرانية غدت السياسة عبادة والعبادة سياسة، فالفصل غير موجود، فالذين يتهمون الإسلاميين بتوظيف الإسلام لأسباب سياسية، أنا أقول بأنهم محكومون بالمنظور العلماني الذي يفصل بين الدين والسياسة.

لماذا نقول: الإسلام السياسي؟ نقول الإسلام السياسي لتصحيح مفهوم عام حاول الإسلام الرسمي أن يرسخه، وهو أن الإسلام لا يهتم إلا بالعقيدة، وأن لا علاقة له بإدارة شؤون الدولة، لا علاقة له بالشأن العام، لذلك فإن التركيز على ظاهرة الإسلام السياسي ومجموعاته فإنما يتم لتمييزها عن جماعات أخرى موجودة كالسلفية والصوفية … فهذه جماعات إسلامية شئنا أم أبينا، ولكن طريقة تعاطيها مع الأمور تختلف، فعندما يقول الصوفي بأنه يجب أن نركز على الجانب الروحي، وحين يقول السلفي أنا لا تهمني السياسة، أقول ما يميز جماعات ما تسمى بالإسلام السياسي هو قيامها على ثلاث مرتكزات أساسية:

أولا: هي ترفض الفصل بين الدين والسياسة كما تفعل السلطة أو الصوفية.

ثانيا: تسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، لأن هذا هو الإطار المميز لحقيقة الحركة الإسلامية.

ثالثا: هو أنها تتبنى في عملها السياسي بعض آليات الأحزاب والتنظيمات السياسية بشكل عام نحو: التنظيم الهرمي ـ نظام العضوية ـ الاستقطاب …

هذه مواصفات ثلاث تميز جماعات الإسلام السياسي عن جماعات أخرى تشتغل هي أيضا في الحقل الإسلامي العام، هذه مسألة أولى، المسألة الثانية ينبغي أن نميز فيها بين المعلن عنه وبين المضمر، ويجب أن لا نحاكم النوايا … هذه أحكام قيمة غير مؤسسة على وقائع، علينا أن ننطلق مما هو معلن، والمعلن هو أن الجماعات الإسلامية تسعى إلى تصحيح العلاقة القائمة بين الدين والسياسة، هذه مسألة مفروغ منها، فهي ترفض النموذجين السابق ذكرهما: ترفض أن نفصل بين الدين والسياسة، بمعنى أنها ترفض المقارنة الأفقية التي بلورها الغرب في تجربته السياسية، فلا توجد حركة إسلامية تقبل بالفصل بين الدين والسياسة، لأن هذه علمانية، ولكن في نفس الوقت ترفض العلمانية بالمفهوم العربي الإسلامي أو المقاربة العمودية، بمعنى أن يستخدم الدين لفائدة الدولة، هي تطرح تصورا آخر لهذه العلاقة، فلا فصل بين الدين والسياسة، وفي نفس الوقت ينبغي أن تكون الدولة في خدمة الإسلام، لذلك أقول بأن الصراع الموجود بين الحركات الإسلامية والأنظمة القائمة الآن، هو صراع بين مشروعين، بين “إسلام الدولة” كما تطرحه الأنظمة القائمة وبين “دولة الإسلام” كما تطرحه الحركة الإسلامية، طبعا، لهذه الحركة اجتهاداتها ولها اقتناعاتها في كيفية تصحيح هذه العلاقة، ولكن الكل يسعى إلى تأصيل هذه العلاقة من الموروث ضمن اجتهاد، فالتجربة الإيرانية الحالية رغم ما يمكن أن يؤاخذ عليها، فهي تسعى إلى الحفاظ على الموروث في إطار سياق اجتهادي، حاولت أن تؤسس ما يسمى بالجمهورية الإسلامية ضمن ثوابت ظلت حاضرة، فالحركة الإسلامية كما قلت لها مشروع مناقض للإسلام الرسمي أو الإسلام العلماني إن شئت، هذا هو المعلن. أما أن ننتقل إلى القول أن هذه جماعات توظف الدين سياسيا، فهذه أحكام قيمة لا يمكن الاستناد إليها.

س ـ سؤالنا الأخير، تتهم الحركة الإسلامية بأنها تسعى إلى إقامة دولة تموت فيها السياسة، لأنها ستقيم دولة دينية تؤسس للسلطة المطلقة للحكام، سلطة تستمد مشروعيتها من خارج المجتمع، يطرح السؤال: ماذا تقترح الحركة الإسلامية: دولة دينية أم دولة مدنية؟ وهل مشروعها رفض للحداثة والتحديث أم هي تعطي بدائل لإخفاق هذا النوع من الحداثة؟ ما وجهة نظرك وأنت المتابع المهتم بالفكر السياسي لدى الحركة الإسلامية؟

ج ـ أنا أقول بأنه لا يمكن أن نضع أنفسنا أمام مقاربة أحادية، بمعنى أن نؤسس لدولة يحضر فيها الدين وتموت السياسة، أو لدولة يموت فيها الدين وتحضر السياسة، أنا أعتقد أن المسألة يجب أن تعالج من زاوية أخرى، ما معنى السياسة، السياسة لا يمكن أن تموت في أي مجتمع لأنها مرتبطة به، إن كل مجتمع يحتاج إلى سلطة تدير شؤونه، وبالتالي ما دام أن هناك جماعة، فمن الضروري أن تكون هناك سياسة، لأن السياسة أصلا هي كيفية إدارة وضبط العلاقة بين مكونات تلك الجماعة. بالنسبة للدين، فالذين يتحدثون عن موت السياسة في حالة إقامة دولة دينية يعتقدون أن هذه الدولة ستكون محكومة بمطلقات. في حين أنه حتى التجارب اللائكية تتضمن مطلقات، مثلا، في فرنسا “الجمهورية” شيء مطلق، على الفرنسيين أن يؤمنوا بأن “الجمهورية” هي خيار مطلق. حتى الدستور الفرنسي يقول بأنه لا يسمح إطلاقا بمناقشة “النظام الجمهوري”، ستجد أنه في مجتمعات أخرى اختارت الديمقراطية أو العلمانية، هذه مطلقات تؤمن بها، معنى أن كل مجموعة تجد أنها محكومة بعدة ثوابت. عندما يتحدثون عن الدين يتحدثون عن المطلق، ولكن أنا أقول أنه لا يمكن لجماعة سياسية أن تستقر إلا إذا كانت تؤمن بثوابت، ولكن السياسة لا تمارس في إطار الثوابت، السياسة تمارس في إطار المتغيرات. في الغرب الليبرالي بشكل عام، هناك إيمان بثوابت، مثلا العلمانية والديمقراطية. ولكن هناك متغيرات، كيفية تصريف هذه الديمقراطية، ففي الولايات المتحدة اختاروا النظام الرئاسي. في بريطانيا اختاروا النظام البرلماني، في فرنسا اختاروا النظام شبه ـ الرئاسي، معنى أنه لا يكون للسياسة معنى إلا في إطار المتغيرات، وبالتالي لا يمكن لجماعة أن تستقر إلا في إطار ثوابت. في إطار الدولة الإسلامية التي تسعى الحركة الإسلامية لإقامتها. الثوابت يرسمها الدين، الحاكمية لله، ولكن السلطة للشعب، السلطة للأمة.

في إطار هذه السلطة يمكن أن تمارس السياسة. هل يمكن أن نقول الآن في إيران ماتت السياسة؟ بالعكس، الآن ربما الحياة السياسية في إيران أكثر زخما من الحياة السياسية في عهد الشاه، الآن هناك حيوية في إيران بين المحافظين والإصلاحيين، إذن أنا أقول أن اللائكي العربي بشكل عام، هو ضد الدين، وإن ادعى أنه يحترمه، وغالبا ينظر إلى المسألة: إما أن يكون الدين أو أن تكون السياسة، ما دام أنه في نظره أن الحركة الإسلامية تسعى إلى استحضار الدين، بالتالي ستموت السياسة. ما دام أنه عمليا هو يقتل الدين في ممارساته، اللائكي الآن يقتل الدين، لأنه يركز فقط على السياسة، لذلك أنا أقول بأنه سواء في إطار دولة لائكية، أو في إطار دولة دينية، لا بد من مطلقات. بتعبير آخر لا بد من ثوابت، فالسياسة لا تمارس من داخل الثوابت، بل تمارس من داخل المتغيرات، معنى أن السياسة ستظل “حية” سواء في ظل دولة مدنية أو في ظل دولة دينية.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.